الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
544
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
فبيانه - صلى اللّه عليه وسلم - ونصحه رحمة ، ودعاؤه واستغفاره رحمة ، فرزق ذلك من قبله ، وحرمه من رده . فإن قلت : كيف كان رحمة ، وقد جاء بالسيف واستباحة الأموال ؟ فالجواب : من وجهين : أحدهما : أنه إنما جاء بالسيف ، لمن استكبر وعاند ، ولم يتفكر ولم يتدبر ، ومن أوصاف اللّه تعالى : الرحمن الرحيم ، ثم هو منتقم من العصاة ، وقد قال تعالى : وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً « 1 » ثم قد يكون سببا للفساد . وثانيهما : أن كل نبي من الأنبياء قبل نبينا إذا كذبه قومه أهلك اللّه المكذبين بالخسف والمسخ والغرق ، وقد أخر اللّه تعالى عذاب من كذب نبينا إلى الموت ، أو إلى القيامة . لا يقال : إنه تعالى قال : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ « 2 » ، وقال تعالى : لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ « 3 » ، لأنا نقول : تخصيص العام لا يقدح فيه . وفي « الشفاء » للقاضي عياض : وحكى أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال لجبريل : « هل أصابك من هذه الرحمة شيء ؟ » قال : نعم ، كنت أخشى العاقبة فأمنت ، لثناء اللّه تعالى علىّ بقوله عز وجل : ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ( 20 ) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ « 4 » . انتهى . وذكره السمرقندي : في تفسيره بلفظ . وذكر أن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - قال لجبريل يقول اللّه تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ « 5 » فهل أصابك من هذه الرحمة شيء ؟ قال : نعم ، أصابني من هذه الرحمة شيء ، كنت أخشى عاقبة الأمر فأمنت بك ، لثناء اللّه تعالى علىّ في قوله : ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ « 6 » . وهذا يقتضى أن محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - أفضل من جبريل ، وهو الذي عليه
--> ( 1 ) سورة ق : 9 . ( 2 ) سورة التوبة : 14 . ( 3 ) سورة الأحزاب : 73 . ( 4 ) سورة التكوير : 20 ، 21 . ( 5 ) سورة الأنبياء : 107 . ( 6 ) سورة التكوير : 20 .